الذكاء الاصطناعي والعمل
خمس وصايا في تدبير الآلة الناطقة
بدأت هذه المادة منشوراً على إكس. اقرأ الأصل
هذه خمس وصايا في تدبير أمر هذه الآلات الناطقة داخل فِرَق العمل، جمعتُها على وجه الاختصار، وجعلتُ لكل وصيةٍ أصلًا تُبنى عليه، وفرعًا يُقاس به، وتنبيهًا يُحترز به.
- الوصية الأولى: في أن العُهدة على الإنسان لا على الآلة اعلم، رحمك الله، أن الأصل المقرَّر عند أهل هذا الشأن أن التبعة لا تسقط بالتفويض. فمن أسند إلى الآلة عملًا ثم خرج العملُ فاسدًا، فالضمان عليه لا عليها، إذ الآلة لا تُسأل ولا تُحاسَب ولا تُقال.
فإن قيل: فما فائدة الاستعانة بها إن بقيت العهدة؟ قلتُ: فائدتها في تخفيف المؤونة لا في رفع المسؤولية، كما يستعين الكاتب بالقلم ولا يُنسب الخطأ إلى القلم.
- الوصية الثانية: في صيانة الأسرار من أدخل سرَّ جهته في آلةٍ لا يملك زمامها فقد أفشاه، وإن لم يقصد الإفشاء. والعبرة في هذا الباب بالمآل لا بالنية. مسألة: إن قال قائل: “إنما أدخلتُ جزءًا يسيرًا لا يدلّ على شيء”، قيل له: الدلالة تُجمع من المتفرقات، وقد يُستدلّ بالبعض على الكل.
والضابط: لا تُدخل في الآلة ما تكره أن تراه في صحيفةٍ أو في مجلس منافسيك.
- الوصية الثالثة: في حفظ الملكة من الضمور من أورد على الآلة كلَّ عملٍ ضمرت ملكتُه وذهبت صناعتُه، كما يضعف العضو بترك استعماله. وإنما يُستعان بها على الثقيل المكرور، ويُترك للإنسان ما به يشتدّ عوده.فالنظر في: المعنى، والحكم على جودة المخرَج، وترتيب الأولويات، وقراءة المقام. هذه أربعٌ لا تُفوَّض.
مسألة في المبتدئين: أشدُّ الناس تضررًا حديثُ العهد بالصنعة، إذ لم يستقر عنده ميزانٌ يزن به. فالوصية بالرفق بهم، وإلزامهم أصل الصنعة قبل إطلاقهم مع الآلة.
- الوصية الرابعة: في تعليم الفريق لا يُقال للناس “استعينوا” ثم يُتركون، فإن ذلك تكليفٌ بما لا يُطاق. بل يُبيَّن لهم: ما يصلح لهم من الأبواب وما لا يصلح كيف يُحسنون مخاطبتها ليستخرجوا خيرها كيف يميّزون صحيح مخرَجها من سقيمه
والأصل: أن التمكين قبل المطالبة، وأن الإمام يُعلّم قبل أن يُحاسب.
- الوصية الخامسة: في قدوة الرئيس الفريق على دين رئيسه. فإن رآه يستعين ويُفصح ويراجع ويعترف بحدّ الأداة، اقتدوا به. وإن رآه يُنكر بلسانه ويستعمل بيده، تعلّموا النفاق في الاستعمال، فاستعملوها سرًّا بغير ضابط، وذلك أضرّ من المنع الصريح.
فالواجب على المتقدّم: أن يكون أول من يُري الناس كيف تُستعمل، لا أول من يُنكر عليهم استعمالها.
الخاتمة: فهذه خمس، مدارها على أصلٍ واحد: أن هذه الآلة تُضاعف ما عندك، فإن كان عندك حُكمٌ سديدٌ ضاعفته، وإن كان عندك تهاونٌ ضاعفته أيضًا. فهي مِرآةٌ مكبِّرة لا بديلٌ عن العقل. ومن ظنّ أنها تُغنيه عن النظر فقد غُبن، ومن ظنّ أن تركها ورعٌ فقد تخلّف. وخيرُ الأمور أوسطُها: استعانةٌ بضابط، وثقةٌ مع تحقّق، وسرعةٌ لا تنقض إتقانًا. والله أعلم.