القيادة والناس
نارسيس في عالم الاعمال
في العام الثامن قبل الميلاد كتب الشاعر الروماني اوفيد في خمسة عشر مجلدا ملحمة ميتاموفوسس، و التي حوت 250 من اهم الاساطير الرومانية. في احد هذه الاساطير رأت حورية الجبل “أيكو” الصياد الوسيم “نارسيس” يسير في الغابة فوقعت في هواه و ظلت تتبعه خلسه مختفية خلف الأشجار. انتبه نارسيس الى ان أحدا ما يلاحقه فأخذ ينادي “من هناك؟!”، و ظلت أيكو تردد خلفه “من هناك؟!”. في نهاية الأمر أظهرت أيكو نفسها و أرادت ان تحضن نارسيس و الذي صدها و طلب منها الابتعاد عنه. كسر قلب أيكو و أمضت الباقي من حياتها تهيم بين بطون الأودية و أعالي الجبال حتى لم يبق منها الا صوتها “أيكو: صدى”. علمت نيميسيس (آلهة الانتقام في الأساطير الرومانية) بهذه القصة المحزنة و قررت معاقبة نارسيس، و لعلمها بمدى اعجاب نارسيس بنفسه استدرجته الى بركة ماء رأى فيها انعكاس وجهه فأغرم بهذا الجمال و تلك الوسامة، لكنه ادرك بعد وقت طويل ان هذا الحب هو من طرف واحد فقط و ان هذه الصورة لن تبادله حبه العظيم، فكسر قلبه هو أيضا و انتحر.
و من هنا انطلق مصطلح “نرجسي” و الذي يشير في ابجديات علم النفس الى الشخص المعتد و المعجب بنفسه اكثر من اللازم.
في مقالي السابق “انسوا ردهتنا جربوا غرفتنا” صدمتني تعليقات أصدقائي و التي كادت جميعها تنحصر في: “اهاااا، هذا يظهر أهمية الديلجايشن (التفويض)، لو كان هناك ديلجايشن لانتهت المشكلة من البداية”. عزيزي و صديقي و احد التسعة اشخاص الذي يقرأون ما اكتب، راجع المقال و اضف اليه بنفسك كيلوين و نصف من الديليجايشن و ستجد ان مسار الاحداث لن يتغير كثيرا.
السبب ان الجميع التفت فورا الى الديليجايشن هو احد امرين:
اما اني كاتب فاشل.
او
ان المشكلة التي كنت أحاول الإشارة اليها استفحلت حتى صارت هي الواقع وغيرها هو الشذوذ.
مثلما يقع الأفراد في عشق ذاتهم و الانعزال عن العالم، كذلك المنظمات من شركات و مؤسسات و هيئات. تحاول المنظمة تجميل نفسها عبر تفصيل و توثيق و صياغة إجراءاتها و سياساتها و أنظمتها و لوائحها حتى تضمن تميزها و كفائتها. لكن بعض المنظمات تقع في فخ حب تلك الإجراءات و السياسات و الأنظمة (حب الذات) اكثر من حب الهدف الذي أنشئت من اجله أساسا (الربح المادي و المعنوي لكل المساهمين فيها)، و تظل المنظمة تراقب نفسها بإعجاب، تجد معظم حديث موظفيها هو عن السياسات و الإجراءات و النماذج و الابروفال و البروسيس، تجد ان اقسام الدعم الداخلي هي من تقرر أهمية المشاريع، تجد ان البدجت و الابروفال و البروسيس هما مايجب ان تبدأ تفكيرك به، لا العميل و الربح و التوسع. حتى تصل المنظمة حد الانتحار، و هو الحد الذي يحلف فيه كل قسم و كل مسؤول انهم يقومون بعملهم على اكمل وجه، لكن (السوق، الأحوال الاقتصادية، سياسة الدولة، موظفي القسم الآخر المهملين، الإدارة التنفيذية، أبو علي راعي البقاله…الخ) هم السبب في خسارة المنظمة، و هنا تنتحر المنظمة.
هذا ماكنت اقصده، و هذا ما لا اتمناه.