ختم مطاطي قائم على حجر مكسو بالطحالب عند حافة بركة في غابة ينعكس على مائها، وحوله أزهار نرجس، وخلفه قوس وجعبة سهام.

القيادة والناس

نارسيس في عالم الاعمال

المدونة السابقة دقيقتان للقراءة

في العام الثامن قبل الميلاد كتب الشاعر الروماني اوفيد في خمسة عشر مجلدا ملحمة ميتاموفوسس، و التي حوت 250 من اهم الاساطير الرومانية. في احد هذه الاساطير رأت حورية الجبل “أيكو” الصياد الوسيم “نارسيس” يسير في الغابة فوقعت في هواه و ظلت تتبعه خلسه مختفية خلف الأشجار. انتبه نارسيس الى ان أحدا ما يلاحقه فأخذ ينادي “من هناك؟!”، و ظلت أيكو تردد خلفه “من هناك؟!”. في نهاية الأمر أظهرت أيكو نفسها و أرادت ان تحضن نارسيس و الذي صدها و طلب منها الابتعاد عنه. كسر قلب أيكو و أمضت الباقي من حياتها تهيم بين بطون الأودية و أعالي الجبال حتى لم يبق منها الا صوتها “أيكو: صدى”. علمت نيميسيس (آلهة الانتقام في الأساطير الرومانية) بهذه القصة المحزنة و قررت معاقبة نارسيس، و لعلمها بمدى اعجاب نارسيس بنفسه استدرجته الى بركة ماء رأى فيها انعكاس وجهه فأغرم بهذا الجمال و تلك الوسامة، لكنه ادرك بعد وقت طويل ان هذا الحب هو من طرف واحد فقط و ان هذه الصورة لن تبادله حبه العظيم، فكسر قلبه هو أيضا و انتحر.

و من هنا انطلق مصطلح “نرجسي” و الذي يشير في ابجديات علم النفس الى الشخص المعتد و المعجب بنفسه اكثر من اللازم.

في مقالي السابق “انسوا ردهتنا جربوا غرفتنا” صدمتني تعليقات أصدقائي و التي كادت جميعها تنحصر في: “اهاااا، هذا يظهر أهمية الديلجايشن (التفويض)، لو كان هناك ديلجايشن لانتهت المشكلة من البداية”. عزيزي و صديقي و احد التسعة اشخاص الذي يقرأون ما اكتب، راجع المقال و اضف اليه بنفسك كيلوين و نصف من الديليجايشن و ستجد ان مسار الاحداث لن يتغير كثيرا.

السبب ان الجميع التفت فورا الى الديليجايشن هو احد امرين:

اما اني كاتب فاشل.

او

ان المشكلة التي كنت أحاول الإشارة اليها استفحلت حتى صارت هي الواقع وغيرها هو الشذوذ.

مثلما يقع الأفراد في عشق ذاتهم و الانعزال عن العالم، كذلك المنظمات من شركات و مؤسسات و هيئات. تحاول المنظمة تجميل نفسها عبر تفصيل و توثيق و صياغة إجراءاتها و سياساتها و أنظمتها و لوائحها حتى تضمن تميزها و كفائتها. لكن بعض المنظمات تقع في فخ حب تلك الإجراءات و السياسات و الأنظمة (حب الذات) اكثر من حب الهدف الذي أنشئت من اجله أساسا (الربح المادي و المعنوي لكل المساهمين فيها)، و تظل المنظمة تراقب نفسها بإعجاب، تجد معظم حديث موظفيها هو عن السياسات و الإجراءات و النماذج و الابروفال و البروسيس، تجد ان اقسام الدعم الداخلي هي من تقرر أهمية المشاريع، تجد ان البدجت و الابروفال و البروسيس هما مايجب ان تبدأ تفكيرك به، لا العميل و الربح و التوسع. حتى تصل المنظمة حد الانتحار، و هو الحد الذي يحلف فيه كل قسم و كل مسؤول انهم يقومون بعملهم على اكمل وجه، لكن (السوق، الأحوال الاقتصادية، سياسة الدولة، موظفي القسم الآخر المهملين، الإدارة التنفيذية، أبو علي راعي البقاله…الخ) هم السبب في خسارة المنظمة، و هنا تنتحر المنظمة.

هذا ماكنت اقصده، و هذا ما لا اتمناه.

رسم محفور لبندر الحطاب

عن الكاتب

بندر الحطاب

بندر الحطاب، تنفيذي سعودي في التسويق والاتصال والاستراتيجية، تأهل أخصائياً نفسياً، ويكتب مقالات الرأي منذ عام 2017.

عن بندر

النشرة

مقالات جديدة في بريدك، حين تصدر فقط.

[FORM PENDING: KIT_FORM_ESSAYS in src/config.ts]